أقلام التلفزيون

حكمة الجري وجنون 100كم 

عين جارية

عندما فكرت ذات يوم في سباق 100كم تساءلت هل فعلا قادر أنا على مواصلة السباق إلى غاية خط النهاية.؟

لم أتمكن من الجواب بشكل واضح على تساؤلي عندما راودتني الفكرة المجنونة التي اقترحها علي زميل لي في رياضة الركض والذي سبق أن شارك في هذا السباق الأسطوري ثلاث مرات..

لماذا أريد خوض هذه المغامرة وأنا مجرد عداء هاو بدأ رياضة الجري منذ أربع سنوات وفي عمر يتجاوز الخمسين.. هل حب التحدي أم إرادة إكشاف لعبة الصراع مع الحدود التي يفرضها علينا الجسد والزمن أم هي الرغبة في مواجهة سلطة المسافة أم هناك شيئ غامض بداخلنا يدفعنا دفعا إلى ارتياد براري المجهول ؟

قعدت خلال الستة أشهر التي سبقت موعد السباق (أفريل 2018 ) أتدرب بشكل منتظم.. وفي كل تدريب أبني بخيالي عالم السباق والطريق الممتد من بسكرة إلى أولاد جلال، لم أكن أفكر في المسافة بل رحت أفكر في عملية تطويعها وتحويلها إلى تجربة يجب مغازلتها والاستئناس بأجوائها وبالتالي حبها بشكل إنساني وحميمي إلى درجة العشق الصوفي..احتفظت بمشروعي سرا لم أصارح به عائلتي وخاصة زوجتي التي كانت دون شك ستعارض هذه المغامرة المجنونة التي أكن أملك الكلمات المعقولة والمنطقية لأقنعها بها..

كنت أجمع كل الأخبار والحكايات عن سباق الـ100كم .. ومنهم موحا الذي كانت تربطه بسباق المائة علاقة وجدانية آسرة.. كان موحا تاجرا يتجاوز الأربعين.. مارس رياضة الجري منذ أكثر من عشرين سنة.. وجرى مسافة الـ100 كم حوالي ستة مرات، صارت حزء ليس من ذكرياته وحسب بل من حياته.. عندما كان يزودني بالنصائح كنت أرى هذا السباق كائنا حيا يتجلى في طريقته في الكلام في أسلوبه في الحديث عنه، كان كل جسده يرتعش عندما يستعيد ذكرياته عن أول سباق له في الالترا ماراتون (100كم ) أصبح موحا وفتحي ومراد مرجعا لي في هذا السباق..وكل ليلة قبل موعد النوم كنت أشاهد ملل سباقات الـ100كم في مييو الفرنسية..كنت أقعد ثلاث ساعات فما فوق وأنا أتفرج على المعاناة والمجاهدة والمقاومة التي يقودها المتسابقون..بعضهم من يقع أرضا منهكا فاقدا للوعي وبعضهم الآخر من يتحدى العقبات بألم وشبه غيبوبة..هل كانت تلك المشاهد خزانا سيكولوجيا لي لاتجاوز ماسيقع لي حتما؟

هي ليلة السباق فارقني النوم..حاولت عبثا الاستسلام للكرى.. وعند الساعة الرابعة صباحا أصبت بالرعب..وقلت بيني زبين نفسي (ربما لا استطيع جري اكثر من 40كم)

نهضت على الساعة الخامسة وعند الساعة والنصف كنت أمام خط الانطلاق.. اعترتني نشوة لم أعشها من قبل ..كان الإصرار على مواصلة السباق الى النهاية يسكنني حتى العظم..كنت سعيدا بوجود مساعدي مهدي الذي كان يقود دارجته بجنبي..كان وقودي الروحي بكلماته وتشجيعاته عندما يساورني ظل الشك.. غاب النهار..كم جريت؟

سألت مهدي.. ضحك وقال 12ساعة ونصف..تشجع لم يبق لك سوى نصف ساعة للوصول الى خط الوصول..كانت أولاد جلال تقف في انتظاري أضواء شاحبة.. متطوعون يجرون بجنبي لدعمي.. لم يبق يوى كيلومتر.. بدا بعيدا..كنت أتكلم.. أهذي. أحيي وأموت لكن في النهاية قهرت المسافة.. لمستخط الوصول.. عناق صراخ فرح بهيج أسطوري. كانت المسافة حاثية أمام قدمي بينما كنت ممدا على عشب المسرح وبجنبي موحا..يهتف الى جانب ابني ومهدي وذلك الشاب اصيل اولاد جلال الذي رافقني حافي القدمين إلى نقطة النهاية.

أحميدة عياشي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق