ثقافة

سيدي عبد الرحمان الثعالبي… إمام الجزائر ودرّتها النفيسة

إنّ الجزائر في أحوالها عجب   ولا يدوم بها للناس مكروهُ

ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتّسَع   إلا ويُسرٌ مِن الرحمن يتلوه

مرّت أكثر من خمسة قرون على هذين البيتين الشعريين، لكنهما لا يزالان يتردّدان إلى اليوم كأنهما صالحان لكل زمان ومكان… هذا البُعد الإيماني التفاؤلي في البيتين يعطيهما هذا الحضور المتجدد لوصف حال بلد لا يعسر إلا ليتلوه يُسر من الرحمان.

صاحبُ البيتين هو الفقيه والمتصوف الجزائري عبد الرحمن الثعالبي، أحد أعلام الأشاعرة المالكية في القرن الرابع عشر الميلادي، وأحد رموز مدينة الجزائر التي تُسمّى أيضاً مدينة سيدي عبد الرحمن نسبةً إليه؛ ففيها وُلد، وفيها رحل، وفيها يُوجد ضريحه الذي لا يزال مزاراً إلى اليوم.

وُلد الثعالبي عام 1385 في ناحية وادي يسر على بعد ستة وثمانين كيلومترا جنوب شرق مدينة الجزائر، ونشأ في بيت علم وعبادة وزهد، ثم سافر إلى بجاية سنة 1399 ولازم مجالس علمائها، ومن جملتهم المانجلاتي، واليلياتي، والنقاوسي، والمشدالي.

ومن بجاية إلى تونس التي ارتحل إليها بعد سبع سنوات من ذلك، والتقى بعلمائها ومن أبرزهم الأبي والبرزلي والغبريني، ثم إلى مصر حيث لقي فيها كلا من البلالي والبساطي وولي الدين العراقي، ثم إلى تركيا التي لا تزال تحتفظ إلى اليوم بزاوية أُقيمت له فيها، ثم إلى الحجاز، فعودةً إلى مصر فتونس فالجزائر.

وهكذا تتلمذ الثعالبي على عدد غير قليل من علماء عصره في مختلف البلاد الإسلامية، كما تتلمذ على يديه العديد من العلماء البارزين، مثل محمد بن عبد الكريم المغيلي أبو عبد الله التلمساني، ومحمد بن يوسف بن عمر شعيب السنوسي وغيرهما الكثير.

ونال الإمام الثعالبي ثناءً كبيراً من علماء عصره، والذين رأوا فيه عالما نحريرا وورعا وزاهدا. ومن ذلك ما قاله ابن سلامة البكري في وصفه: “كان شيخنا الثعالبي رجلا صالحا زاهدا عالما عارفا وليا من أكابر العلماء، له تآليف جمة أعطاني نسخة من تفسير الجواهر لا بشراء ولا عوض، عاوضه الله الجنة”.

ومن ذلك أيضا قول عبد الرحمان الجيلالي فيه: “وهو دائم المدره في عشيرته والزعيم في قومه، وملاذهم الذي يلوذون به، ومعقلهم الذي يلجؤون إليه في المدلهمات”.

عاش الثعالبي في ظرف سياسي تميز بانهيار دولة الموحدين وانقسام المغرب الإسلامي إل ثلاث دول بربرية كل واحدة منها مستقلة عن الأُخرى: بنو مرين في المغرب الأقصى، وبنو عبد الواد في المغرب الأوسط، وبنو حفص في المغرب الأدنى.

وأمام هذا الوضع، لم ينكفء الثعالبي بعلمه عن نفسه ولم يعش بمعزل عما يشهده محيطه؛ بل عمل جاهدا على الإسهام في إصلاح الوضع السياسي، من خلال الدعوة إلى إصلاح الوضع الداخلي من جهة، والتحذير من الحملات الأجنبية المتصاعدة من جهة أُخرى.

وتميزت تلك الفترة أيضا بازدهار اجتماعي كبير عاشته الجزائر بعد وصول مسلمي الأندلس إليها، والذين أسهموا بشكل كبير في ازدهار الاقتصاد من خلال ممارسة العديد من الحرف، لكن في مقابل ذلك بدأت الطبقية تظهر في المجتمع الجزائري إلى جانب بعض أشكال الفساد الأخلاقي.

وأمام ذلك، اختار الثعالبي طريق العلم الذي جعل منه واحدا من أبرز علماء عصره، لكنه فضل حياة الزهد عن حياة السلطة والجاه، وهو الذي ترك منصب القضاء ونزل إلى عامة الناس يُسدي إليهم نصائحه في الدين والدنيا.

رحل الإمام الثعالبي عام 875 هجرية ودُفن في مدينة الجزائر حيث لا يزال ضريحه إلى اليوم، وكان لفقده “أثر عميق في القلوب وحزن عظيم في النفوس” كما يذكر عبد الرحمان الجيلالي في كتابه “تاريخ الجزائر العام”.

وترك الإمام أكثر من تسعين مؤلفا في التفسير والحديث والفقه والتراجم والتصوف وغيرها، من بينها “الجوهر الحسان في تفسير القرآن”، و”روضة الأنوار ونزهة الأخيار”، و”جامع الأمهات في احكام العبادات”، و”المختار من الجوامع”، و”العلوم الفاخرة في أحوال الآخرة”، و”النصائح”، و”إرشاد السالك”، و”رياض الصالحين وتحفة المتقين”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق