ثقافة

غالب بن الشيخ: حكومات فرنسا المتعاقبة تتحمّل مسؤولية وضع المسلمين فيها

نوفمبر التغيير

يتحدّث المفكّر الإسلاميُّ ورئيس “مؤسّسة إسلام فرنسا”، غالب بن الشيخ الحسين، عن دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل أيام، إلى محاربة “النزعات الانفصالية” في المجتمع الفرنسي وقوله بأنَّ “الإسلام يعيش اليوم أزمةً في كل مكان في العالم”، مُعتبراً أنَّ العالَم الإسلامي ليس في حاجةٍ إلى خطاب ماكرون ليُدرك حقيقة واقعه المتأزّم.

ويُشير بن الشيخ، في حواره لموقع “التلفزيون الجزائري”، إلى أنَّ مسلمي فرنسا يعيشون بين مطرقة التطرُّف الديني وسندنان الإسلاموفوبيا، مضيفاً أنَّ الحكومات الفرنسية المتتالية منذ أربعة عقود تتحمّل مسؤولية الوضع الذي يعيشونه اليوم.

■ بدايةً، ما تعليقُكَ على خطاب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في الثاني من الشهر الجاري، والذي دعا فيه إلى محاربة ما أسماه “النزعات الانفصالية” في المجتمع الفرنسي و”من يُوظّفون الدين للتشكيك في قيَم الجمهورية الفرنسية”؟

– خطاب ماكرون كان منتظَراً منذ انتخابه وتولّيه رئاسة فرنسا في 2017؛ فقد أُعلن عن الخطاب مراراً، لكنّه أُجّل إلى الثاني من شهر أكتوبر الجاري.

بعد دعوته، في الخطاب، إلى محاربة “النزعات الانفصالية” في المجتمع الفرنسي، يبدو أنَّ وزير الداخلية، المكلَّفَ بإعداد مشروع قانون “مكافحة النزعات الانفصالية”، تراجَع عن هذه العبارة، وأصبح الحديث الآن يجري عن قانونٍ يُكرِّس أكثرَ مفهوم العلمانية.

في الحقيقة، هناك أقلية من المتطرّفين من الشريحة الإسلامية داخل المجتمع الفرنسي تعيش منزويةً ومنعزلةً عن باقي مكوّنات المجتمع. وهؤلاء يتنصّلون من القيم السائدة في هذا المجتمع الذي ينعتونه بـ “الإباحي” و”المنحل”. ترى هذه الفئة القليلة أنَّ احترام قوانين الجمهورية يتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية حسب فهمهم. إنَّ القوانين الوضعية كناتج عقلاني يُواكب تطوُّر المجتمعات غيرُ مقبولٍ لديهم.

■ أكثرُ ما لفت الانتباهَ في خطاب ماكرون هو قوله بأنّ الإسلامَ “ديانةٌ تعيش اليوم أزمةً في كل مكان في العالم”. هل يعكسُ هذا الكلام، برأيك، خلطاً بين الإسلام والمتطرّفين الإسلاميّين؟

– برأيي، فقد وقع التباسٌ في عبارة ايمانويل ماكرون حين قال إن الإسلام يعيش أزمةً في كلّ مكان في العالم. ودون أن أكون ناطقاً رسمياً للرئاسة الفرنسية، ولست بصدد الدفاع عن ماكرون، أريد أن أُدلي بشهادة هي أنه لا يقصد الدين الإسلامي الحنيف بشعائره وطقوسه وروحانيته وقيم التآخي والتآزُر والتعاضد والتضامن والمحبة والرحمة والحلم والرفق التي يدعو اليها، بل تكلّم عن العالم الإسلامي كمجتمعات وطوائف، وهذا ما أعتقده أنا شخصياً.

دون جلدٍ للذات أو نقدٍ مجاني، أرى للأسف الشديد أنَّ المجتمعات الإسلامية تعاني الأمرَّين. هناك قوسٌ من شمال نيجيريا إلى جزيرة جولو في الفلبين مروراً بالقرن الافريقي واليمن دون الحديث عن الشرق الأوسط وأفغانستان، يُشكّل حيزاً تعيش فيه مجتمعات تعاني من الفقر والحرمان والجوع والجهل والمرض، وازداد هذا الوضع تأزُّماً بالنزاعات والحروب التي تقع بمرأى ومسمع القادة المسلمين. للأسف الشديد، حتى وإن لم يُعجبنا هذا الواقع وإن لم تسرنا هذه الحقيقة المرّة، فالمجتمعات الإسلامية تعيش بؤراً عديدة من التوتُّر وعدم الاستقرار.

■ أثار هذا الحديثُ ردود فعلٍ مستهجِنة داخل فرنسا وخارجها؛ حيث اعتَبرت أصواتٌ كثيرةٌ بأنه ينمُّ عن العنصرية ويدعم خطاب الكراهية ضدّ المسلمين. إلى أيِّ مدىً توافق أو تختلف مع وجهةِ النظر هذه؟

– من الطبيعي أن يُثير مثل هذا الخطاب ردودَ فعلٍ عديدة؛ منها المستهجِنة والمستنكِرة لهذه الأطروحات المتضمَّنة فيه، ومنها المرحّبة والمثمِّنة لها على اعتبار أنها قولٌ صريح يُخرج البلاد من تضارُب فئتَين داخل المجتمع الفرنسي.

في الحقيقة، العنصريةُ موجودةٌ داخل المجتمع الفرنسي وهي تشهدُ تنامياً كبيراً، عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعلى قنوات التلفزيون. هناك الكثير من الحاقدين على المسلمين الذين يستغلّون مثل هذه الفرص ليصبّوا الزيت على النار.

ينبغي التذكير بأنّ ماكرون كان قد نبّه، في بداية خطابه، إلى أنه لا يقصد الخلط بين المسلمين كمواطنين وحتى كمقيمين في فرنسا وبين الفئة المتطرّفة التي تُريد أن تعيش بمعزلٍ عن المجتمع الفرنسي وخارج إطار قوانين الجمهورية. ربما هذا التنبيه التمهيدي لم يكن كافياً.

■ في المقابِل، يبدو حديثُ ماكرون منسجماً مع أصواتٍ من داخل الثقافة الإسلامية نفسِها تدعو إلى التجديد وإلى مراجعة التراث الإسلامي (أو تقوم بذلك)، والذي يقول البعضُ إنَّ المتطرّفين يستندون إليه في ممارساتهم.

– نحن لسنا في حاجة إلى خطاب ماكرون لنُدرك واقع الكثير من المسلمين عبر العالم. أنا أحدُ الذين يطالبون بالإصلاح والتجديد ومراجعة التراث الإسلامي. قد أكونُ صارماً في التشخيص حين أقول إنّنا نُعاني من تعطيل للفكر، وأنّنا نرزح تحت نير الجهل. وكانت لي فرصةٌ لكي أتحدّث عن أنماط الجهل الذي نتخبّط فيه: هناك جهلٌ مقدَّس يجعلنا لا نسمح لأنفسنا بمساءلة ومراجعة التراث.

وهناك جهلٌ مؤسَّس؛ حيث نرى في كثير من الحالات دُورَ العلم والمعاهد، وحتى الجامعات، تُدرّس في بعض الأحيان ما يُهلهل الفكر الإنساني، ناهيك عن التخلّي عن الحقبة التاريخية ما بين ديكارت وفرويد عوض تداركها ودراستها وهضمها ونقدها وتجاوزها. بقينا نرفض دراسة الفلسفات والعلوم الدخيلة عن التراث الإسلامي، وهذا أمرٌ مميتٌ حقّاً.

وهناك جهل مركّب، حيث أنّنا لا ندري ولا ندري أنّنا لا ندري، وبقينا في جهلنا نَعْمَه.

وأخيراً، هناك في بعض البلدان الإسلامية جهلٌ ممنهج؛ حيث النظام لا يريد تدريس العلوم الإنسانية ولا الفلسفة ولا حتى ما يعطي الفرصة للطلبة ليستوعبوا ما يؤهّلهم للتمحيص والتفكير بأنفسهم باستقلالية وحرية.

■ بالحديث عن التطرُّف الديني، هل يُمثّل ظاهرةً متفشّيةً في المجتمع الإسلامي الفرنسي، وهل تعتقدون أنَّ معالجته حالياً تقتصر على الجانب الأمني، بينما تغيب استراتيجية ثقافية وتربوية في هذا المجال؟

– لا يُمثّل التطرف الديني ظاهرةً متفشّية داخل الشريحة الإسلامية من المجتمع الفرنسي، بل المتطرّفون فئة قليلة، ولكنَّ الأحداث تصنعها الأقليات الناشطة والمتحرّكة.

التطرُّف الديني والنضال الإسلاموي، رغم قلّة المنخرطين فيهما، يخلقان كثيراً من الجدال والنزاع والبلبلة داخل المجتمع الفرنسي؛ خصوصاً أنَّ تصرُّفات المتطرّفين لا ترقى إلى أدنى معايير الحضارة والمعاملات مع الغير. وهذا راجع إلى تزمُّتٍ وتحجُّر فكري هو أصلُ المعضلة.

بالتأكيد، فإنَّ معالجةَ هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الأمني بل لا بد أن تُعالَج أيضاً على الصعيد الاجتماعي وعلى الصعيدين الثقافي والتربوي. ولهذا، فإنَّ الحكومات الفرنسية المتتالية منذ أربعة عقود تتحمّل مسؤوليةً كبيرةً جدّاً في ترك جيلَين من المسلمين يتخبّطان في مشاكل اجتماعية وتربوية وثقافية جمّة.

ثُمّ إنَّ مُسلمي فرنسا يعيشون بين فكَّي كمّاشة: فكّ التطرف وفكّ العنصرية، وبين مطرقة التزمّت والأوضاع الاجتماعية البائسة وسندان الكراهية الآتية من العنصريّين واليمين المتطرّف والحاقدين على المسلمين والماقتين للإسلام.

■ أخيراً، أّيَ دورٍ تؤدّيه مؤسّسات مثل “مؤسّسة إسلام فرنسا” التي تترأّسُها منذ 2018 في محاربة ظاهرتَي التطرُّف الديني والإسلاموفوبيا؟

– تحثُّ مؤسّساتنا المسلمين في فرنسا بالتحلّي ببرودة الأعصاب والصبر والجَلَد والتعامُل بحكمة وسمو أخلاقي، وتعملُ جاهدةً في المجال التربوي والثقافي والاجتماعي، إذ أنها – على سبيل المثال – تُخصّص منحاً للطلبة لتمكينهم من السعي وراء طلب العلم والمعرفة. نشاطُها على الصعيد التربوي والثقافي والاجتماعي مكثّفٌ ودائم.

نحن نُشجّع المواهب ونعملُ على تهيئة الفرد المسلم كمواطنٍ بالتربية والتعليم والثقافة، مع تنمية نزعة الأنسنة والميول إلى القيَم الجمالية والإحساس بأهمية الآداب والفنون والموسيقى.

لكنّنا عملاً جبّاراً لا يزال ينتظرنا لتُحفظ للمسلمين كرامتهم وفخرهم بماضيهم ولمدّ جسور تواصُل مع الحداثة والتنوير. وهذا ممكنٌ بالإمكانيات البشرية والكفاءات والقدرات والوسائل المادية والمساعدات المالية التي تُكرَّس في سبيل إعداد جيل من المسلمين والمسلمات يكونون سفراء للدين الإسلامي الحنيف في فرنسا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق