آخر الأخبار

كلمة رئيس الجمهورية بمناسبة إفتتاح مؤتمر رؤساء البعثات الدبلوماسية و القنصلية (النص الكامل)

أشرف رئيس الجمهورية، السيّد عبد المجيد تبون،اليوم الإثنين بالجزائر العاصمة،على افتتاح مؤتمر رؤساء البعثات الدبلوماسية و القنصلية، وألقى كلمة بالمناسبة، هذا نصها الكامل:

“بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،

السادة رؤساء المؤسسات والهيئات الوطنية،
السيد رئيس مجلس الأمة،
السيد رئيس المجلس الدستوري،
السيد الوزير الأول،
السيد الفريق رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي،
السيدات والسادة رؤساء البعـثات الدبلوماسية والقنصلية،
الحضور الكريم.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أود في مستهل كلمتي أن أشير إلى التوقيت المناسب لانعقاد هذا اللقاء. فشهر نوفمبر الأغر يمثل موعدا مرجعيا للدبلوماسية الجزائرية التي كرس إعلان الفاتح من نوفمبر 1954 وثيقتها التأسيسية. تلك الدبلوماسية التي قدمت مساهمة حاسمة خلال مرحلة التحرير الوطني، إلى جانب جيش التحرير الوطني. وفي المرحلة التي تلت الاستقلال والتي سمحت بتشييد الدولة ومواجهة الكثير من التحديات والصعاب.

وخلال هذه المسيرة التي قادتها أجيال متعاقبة من الدبلوماسيين المناضلين,تبلورت أهم ثوابت سياستنا الخارجية، بما في ذلك نصرة حق الشعوب في تقرير المصير، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول, وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتعزيز ترقية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، إلى جانب ضرورة إقامة علاقات دولية متوازنة وعادلة وعدم الانحياز.

تقع اليوم على عاتقكم، أنتم رجال ونساء الدبلوماسية مسؤولية كبيرة لإحياء هذا الإرث التاريخي النفيس، من أجل تعزيز دور الدبلوماسية الجزائرية في الدفاع عن المصالح العليا للأمة، والحفاظ على أمنها الوطني وسيادة قرارها، وبناء الجزائر الجديدة، التي تمثل طموحا حضاريا للشعب الجزائري.

السيدات والسادة،

شهد النظام الدولي، في الآونة الأخيرة اضطرابات غير مسبوقة، نتيجة سلسلة من العوامل والظواهر، وبروز العديد من الفاعلين الجدد،مما يستدعي عملية تكييف مستمرة لمهام الدبلوماسية الجزائرية، ومجالات انتشارها، وذلك في إطار احترام
المبادئ والقيم الثابتة لسياستنا الخارجية.

ومن جهة أخرى، فإن النظام المتعدد الأطراف، الذي يقوم جوهره على ترقية الحلول الجماعية للتحديات المشتركة، أظهر حدوده في مواجهة وباء Covid-19 الذي سلط الضوء على نقص جاهزية المجتمع الدولي للعمل الجماعي والميل المؤسف للأحادية، وعليه، فتداعيات هذا الوباء سيكون لها الأثر البالغ في صياغة ملامح العالم ما بعد الجائحة.

وفي محيطنا الجغرافي، فإن التحديات التي تواجهنا تعد أكثر خطورة، في ظل الأزمات متعددة الأبعاد التي تشهدها منطقتنا، وكذا بؤر التوتر في العديد من دول الجوار، على طول شريطنا الحدودي، لاسيما في الصحراء الغربية،مع استئناف المواجهات العسكرية بين جبهة البوليساريو وقوات الاحتلال المغربي، والأزمة الليبية التي لا تزال تشهد تجاذبات بفعل التدخلات الأجنبية المتعددة، وكذلك الوضع في منطقة الساحل الذي يستمر تحت تأثير عوامل عديدة مرتبطة بصراعات متعددة الأوجه، وانتشار التهديد الإرهابي والجريمة المنظمة بجميع أنواعها.

السيدات والسادة،

إن قراءتنا للسياق الدولي الذي تتفاعل معه دبلوماسيتنا، لن يكتمل دون التعرض للتهديدات التي تثقل كاهل الجزائر بشكل مباشر،وتهدف إلى إضعافها من الداخل، مستعملة في ذلك ما يعـرف بـ+حرب الجيل الرابع+، التي تتم ممارستها ضد بلادنا،
في إطار مخطط أوسع يستهدف إفريقيا والشرق الأوسط.

وفي هذا السياق وما ينجر عنه من تداعيات، أنتم مدعوون، أكثر من أي وقت مضى, للتحلي بنفس روح الالتزام والتضحية، التي ميزت أسلافكم،للحفاظ على المصالح العليا للجزائر، والرد بحزم على المناورات العدائية التي تستهدف أمننا الوطني.

السيدات والسادة،

أما على الصعيد العالمي، فيبقى من الضروري اتخاذ إجراءات استباقية، من أجل ترسيخ دور الجزائر كفاعل مؤثر، يساهم بجدية في مواجهة التحديات الدولية، وذلك من خلال طرح الأفكار والمبادرات، التي من شأنها تعزيز العمل متعدد الأطراف.

وفي إطار ما سبق،ينبغي إعطاء الأولوية لعضوية الجزائر المقبلة، في مجلس الأمن للأمم المتحدة، خلال الفترة 2024 -2025، للمساهمة في الجهود الرامية للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

كما يجب أن نعمل بالتعاون مع الدول التي تشاركنا وجهات النظر والمواقف على تعزيز دور الأمم المتحدة، لحملها على الاضطلاع بالمسؤوليات المنوطة بها، لاسيما تجاه الشعبين الفلسطيني والصحراوي.

وعلى المستوى القاري، من الضروري مواصلة الجهود لتقوية أواصر الأخوة والصداقة مع الدول الإفريقية، التي تمثل العمق الاستراتيجي والجغرافي والحضاري لبلادنا.

وفي هذا السياق، فإن تقوية الاتحاد الإفريقي لحمايته من المحاولات الخبيثة التي تستهدف وحدة صفه ودوره المركزي، سوف تبقى من بين أولويات عملنا الدبلوماسي.

وبنفس العزيمة، ينبغي علينا مواصلة الجهود لتعزيز العمل العربي المشترك, من خلال تهيئة الظروف اللازمة لإنجاح القمة العربية المقبلة, التي ستنعقد بإذن الله بالجزائر. ويجب أن تشكل هذه القمة, فرصة ثمينة, لتجديد الالتزام الجماعي بدعم القضية الفلسطينية، من خلال إعادة تأكيد تقيد جميع الدول الأعضاء،بمبادرة السلام العربية. كما يتوجب علينا كذلك، اغتنام هذه الفرصة لدراسة ملف إصلاح جامعة الدول العربية، بهدف تحسين أدائها، في سياق رؤية جديدة للعمل العربي المشترك.

كما أن الدبلوماسية الجزائرية مدعوة لتكثيف جهودها، في سبيل تحقيق الأمن والاستقرار على الصعيد الإقليمي، لا سيما من خلال المشاركة في حل الأزمة الليبية، وتعزيز الاستقرار في منطقة الساحل.

أما فيما يتعلق بالشراكات،فيجب أن نعمل بطريقة عقلانية ومتوازنة، لتطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية مع شركائنا الرئيسيين في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية وفي آسيا.

ومن الآن فصاعدا, يجب أن يعمل الجميع لتحقيق مقاربة تحافظ على النسيج الصناعي الجزائري، وتحمي المنتوج الوطني، وتوفر منافذ لمصدرينا بالخارج. لذلك، من الضروري العمل على إقامة علاقات أكثر توازنا، مع كل شركائنا، خاصة مع الاتحاد
الأوروبي .
وفي علاقاتها الثنائية مع شركائنا الأوروبيين، لن تتسامح الجزائر مع أي تدخل في شؤونها الداخلية وستظل دوما على استعداد لإقامة علاقات مبنية على الاحترام المتبادل، والالتزام الكامل بمبدأ المساواة السيادية بين الدول.

على صعيد آخر، وفيما يخص علاقاتنا مع كل من روسيا والولايات المتحدة والصين،يجب أن يعمل جهازنا الدبلوماسي على تعزيزها أكثر، خاصة على المستوى الاقتصادي،كما يتوجب على سفرائنا العمل على تعزيز علاقاتنا مع الدول الأخرى في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وجزر المحيط الهادي،لإعادة التواصل على جميع المستويات وتوسيع علاقات التعاون مع هذه الدول.

السيدات والسادة،

أود أن أركز على موضوعين أساسيين، لما لهما من الأهمية الاستراتيجية البالغة,ويتعلق الأمر بكل من جاليتنا الوطنية بالخارج والدبلوماسية الاقتصادية.

بالنسبة للجالية الوطنية بالخارج، فيقع على عاتقكم ابتكار الأساليب والمناهج لضمان ترجمة فعلية وعملية، للأهمية الخاصة التي أوليها شخصيا لهذا الموضوع.

فالمطلوب منكم، ليس فقط الاهتمام بالانشغالات والاستجابة لاحتياجات جاليتنا،وإنما أيضا، تعزيز روابطها مع الوطن، وإشراك أفرادها في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلدنا، وكذا في الجهود الرامية لتعزيز مكانة ونفوذ الجزائر على الساحة الدولية.

فجاليتنا المتواجدة في جميع أنحاء العالم، لها من الكفاءات والمهارات، مايمكنها من تقديم إضافة نوعية لجهود التنمية في بلادنا، وهي مدفوعة برغبة قوية وإرادة كبيرة في سبيل ذلك، ولا تطلب إلا إشراكها في هذا الجهد الجماعي، عبر ريادة الأعمال المبتكرة، وتبادل الخبرات والتدريب. لذلك، فإنه من الضرورة بمكان وضع الأطر والآليات المناسبة للإشراف على هذه العملية، وتمكين أفراد جاليتنا الذين يتمتعون بإمكانيات هائلة من تقديم مساهماتهم.

وعليكم التواصل مع الجالية، من خلال وضع أرقام هاتفية مجانية، وفتح قنوات اتصال مستمرة مباشرة، أو إلكترونية.

أما بالنسبة للدبلوماسية الاقتصادية، فإن دبلوماسيينا مدعوون اليوم، للتموقع في طليعة الجهود الوطنية الهادفة إلى تعزيز جاذبية الجزائر تجاه الشركات الأجنبية، ودعم المؤسسات الوطنية لولوج الأسواق العالمية، وذلك عبر استطلاع ودراسة أنماط السوق والاستهلاك وتحديد الفرص المتاحة للمنتجات الوطنية الجزائرية.

ختاما، أؤكد بأن العمل الدبلوماسي يجب أن يشكل امتدادا ورافدا لمساعي وجهود الدولة في جميع المجالات، وبالتالي، فإنه يقع على عاتقكم الاسترشاد باستمرار،بالأجندة الوطنية في إطار جهودكم وعملكم اليومي، فالمصلحة العليا للوطن وسمعته
ومكانته وكرامة مواطنينا بالخارج تبقى دائما وأبدا فوق كل اعتبار.

أتمنى لكم التوفيق والسداد في مهامكم.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى