أخبار الوطن

مجازر 8 ماي 1945: الذاكرة المفتوحة

القصة الكاملة لإحدى أكبر جرائم الإبادة في التاريخ المعاصر

قبل خمسة وسبعين عاماً، وتحديداً في الثامن من ماي 1945، وبينما كان الفرنسيون يحتفلون بانتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء على النازية، كانت شوارع سطيف وقالمة وخرّاطة ومدنٍ جزائرية أُخرى تغلي بعشرات الآلاف من الجزائريّين الذين خرجوا للمطالبة باستقلال بلادهم بعد مرور أكثر من قرنٍ على الوجود الاستعماري الذي مارس أعتى أشكال العنف والتنكيل في حقّ الجزائريّين وحرمهم من جميع حقوقهم الأساسية.

رغم سلمية المظاهرات وشرعية مطالب الجزائريّين بالحرية والاستقلال، كان ردُّ القوّات الاستعمارية عنيفاً، بل دموياً. وكانت النتيجةُ سقوط أكثر من 45000 قتيل خلال واحدةٍ من أفظع الجرائم ضدّ الإنسانية في التاريخ المعاصر.

استمرّت آلة القتل الاستعمارية الفرنسية عدّة أسابيع، استعملت قوّات الاحتلال خلالها كل أنواع العنف، وكثّفت من عمليات التقتيل التي لم تستثنِ النساء ولا الأطفال ولا المسنّين؛ حيثُ قتلت أشخاصاً عزّل رمياً بالرصاص، ونقلت آخرين على متن شاحنات لرميهم في المنحدرات، ونقلت آخرين خارج المدن لقتلهم، وأحرقت جثثهم في الخنادق وأفران الجير، فضلاً عن عمليات القصف الجوّي.

 

تعجيل بالثورة
بالتأكيد، لم يكتشف الجزائريّون الطابع الإبادي للاستعمار الفرنسي خلال تلك الأحداث، وقد كانت سياسات الإبادة والتطهير العرقي متواصلةً على مدار أكثر من قرن. غير أنّ المجازر، التي كانت الأبشع في حقّ الشعب الجزائري، كشفت إلى أيِّ مدىً يُمكن أن تصل إليه آلة القمع الاستعمارية، وعزّزت من قناعة الجزائريّين بضرورة اللجوء إلى الكفاح المسلّح.

يُجمع المؤرّخون والفاعلون التاريخيّون على أنّ تلك المجازر عجّلت باندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، بعد أقّلَ من عشر سنوات من مجازر الثامن ماي 1945.


هكذا، شكّلت تلك المجازر منعرجاً حاسماً في مسار نضال الجزائريّين من أجل نيل الحرية والاستقلال؛ إذ أسقطت الشعاراتِ التي كانت فرنسا تتغنّى بها متمثّلةً في “الحرية والمساواة والأخوّة”، وأثبتت عدم جدوى النشاط السياسي، متمثّلاً في نشاط الحركة الوطنية الجزائرية منذ سنة 1919. وكلُّ تلك العوامل أذكت وعي الوطنّيين بضرورة الشروع في العمل العسكري.

 

إبادة جماعية ضد الإنسانية
بعد مرور خمسة وسبعين عاماً على مجازر الثامن من ماي 1945، لا تزال ذاكرة الجزائريّين مفتوحةً تأبى النسيان؛ حيثُ تستمرّ الدعواتُ من قِبل الحقوقيّين والباحثين والسياسيّين على حدٍّ سواء إلى تصنيفها في الأمم المتّحدة ضمن جرائم الإبادة الجماعية ضد الإنسانية، على غرار الجرائم التي تعرّضت لها بعضُ الشعوب.

كما تتجدّد مطالبة فرنسا بالاعتراف بجرائمها، والاعتذار عنها، وتعويض الضحايا، مثلها في ذلك مثل بقية الجرائم ضد الإنسانية التي اقترفها الاستعمار الفرنسي في حق الشعب الجزائري من سنة 1830 وإلى غاية 1962، وراح ضحيتها ملايين الشهداء؛ ومن بينها التجارب النووية الفرنسية في رقان وتمنراست. مع العلم أنَّ هذا النوع من الجرائم الكبرى لا يسقط بالتقادم حسب القانون الدولي.

 

لا اعتراف فرنسياً إلى الآن
في المقابل، وبعد قرابة ستة عقود من الاستقلال، لا تزال فرنسا الرسمية، رغم المطالبات الكثيرة التي وُجّهت في هذا الشأن، ترفض الاعتراف بشكلٍ واضح بجرائمها، ومن بينها مجازر الثامن من ماي 1945، التي تمرُّ غداً ذكراها الخامسة والسبعون.

خلال زيارته إلى الجزائر العاصمة كمرشّح للرئاسيات في بلاده في فبراير 2017، اكتفى الرئيس الفرنسي الحالي، إيمانويل ماكرون، باستعمال عبارة “جريمة ضد الإنسانية”. وخلال زيارته الجزائر نهاية العام نفسه بعد انتخابه، قال: “قناعاتي حول هذه النقطة لم تتغيّر منذ أن انتخبتُ رئيساً للجمهورية… أنا أنتمي إلى جيل من الفرنسيّين يعتبرون أن جرائم الاستعمار الأوروبي هي جرائم مفروغ منها و هي جزء من تاريخنا”.

وفي مطلع العام الجاري، قال الرئيس الفرنسي إنه مقتنع بأن على بلاده “إعادة النظر في ذكرى الحرب الجزائرية لوضع حد لصراع الذاكرة الذي يعقّد الأمور داخل فرنسا”. لكنَّ تلك التصريحات السياسية لم تُلحَق بأية خطواتٍ عملية في هذا الاتجاه.

والمؤكّد في هذا السياق أن ملّف الذاكرة بين الجزائر و فرنسا سيظلُّ عقبةً أمام أيِّ تحسُّن في العلاقات الثنائية بين البلدين؛ خصوصاً أنّ الطريق ما زال طويلاً لإغلاق هذا الملف في ظلّ عدم اعتراف فرنسا الرسمية بجرائمها والاعتذار عنها وتعويض الضحايا، ما يفرض استمرار نضال المجتمع المدني والحقوقيّين ورجال القانون لانتزاع هذا الاعتراف وما يتبعه من خطوات.

وفي تصريح سابق، قال وزير المجاهدين الطيب زيتوني إن فرنسا ستعترف عاجلاً أم آجلاً بجرائمها التي ارتكبتها في الجزائر طيلة 132 سنة، مضيفاً أنّ من حق الأجيال الصاعدة معرفة كل ما يتعلق بالممارسات القمعية للسياسات الاستعمارية، مشيراً إلى صعوبة ذلك بالنظر إلى أنَّ ما جرى استرجاعه من الأرشيف الجزائري لا يتجاوز اثنين في المئة.

 

فرنسيون يتساءلون
هذا الصمت الفرنسي الرسمي، يقابله حديثٌ من مؤرّخين وشخصيات فرنسية مستقلّة عن مجازر الثامن من ماي، وأسفٌ من صمت فرنسا الرسمية حيالها. من بين هؤلاء المؤرّخ الفرنسي أوليفييه لوكور غراندميزون، الذي أعرب مؤخّراً عن أسفه لصمت السلطات الفرنسية تجاه المجازر التي تعرّض لها مئات الآلاف من الجزائريين سنة 1945، وكذلك خلال الثورة التحريرية بين 1954 و1962.

وفي مقال نشره على مدوّنته، عشية الذكرى الخامسة والسبعين للمجازر، اعتبر المؤرّخ أنّ “ذرية أولئك الضحايا لا زالوا ينتظرون اعتراف فرنسا بتلك الجرائم”، مضيفاً أنَّ اعتراف ماكرون في 2018 بأنَّ المناضل في “الحزب الشيوعي الجزائري”، موريس أودان، قُتل سنة 1957 تحت التعذيب، وعلى أهميته، لم يُتبع بأية خطوة أُخرى.

واعتبر الكاتب أنَّ فرنسا متأخّرة بالمقارنة مع المستعمرين السابقين الذين اعترفوا بالجرائم التي اقترفوها في مستعمراتهم، مثل ألمانيا التي اعترفت بالإبادة الجماعية لقبائل هيريرو و ناماس في الأراضي الجنوبية الغربية من أفريقيا (ناميبيا حالياً) سنة 1904، وبريطانيا التي اعترفت بالمجازر التي ارتكبتها ضدّ قبائل الماو ماو في كينيا خلال خمسينيات القرن الماضي.

 

برنامجٌ خاص والتلفزيون الجزائري في الموعد
يستعيد الجزائريون، غداً الخميس، الذكرى الخامسة والسبعين لمجازر الثامن من ماي 1945. وفي هذا السياق، سطّرت اللجنة الوطنية لتحضير حفلات إحياء الأيام والأعياد الوطنية برنامجاً خاصّاً يضم نشاطات وندوات تاريخية وعلمية.

وتحت شعار “دوماً منتصرة”، تُنظّم وزارة المجاهدين بدايةً من اليوم الخميس سلسلة من المحاضرات والندوات التاريخية الافتراضية حول هذه المجازر، تتضمّن بثّ مقاطع من شهادات حية لمن عايشوا المجازر، إضافة الى زيارات افتراضية للمؤسسات المتحفية، وتنظيم مسابقات علمية.

وتُنشر هذه الفعاليات عبر الموقع الإلكتروني لوزارة المجاهدين وعلى صفحتها الرسمية في فيسبوك، إضافةً إلى صفحات المتحف الوطني للمجاهد، والمركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، ومديريات المجاهدين والمتاحف الجهوية.

كما حضّرت وزارة الدفاع الوطني برنامجاً لإحياء هذه الذكرى يضمّ توزيع محاضرات تاريخية بجميع النواحي العسكرية، وتوزيع صور عن رمزية الحدث، كما تستعيد المناسبة في الوسائل الإعلامية التابعة لها.

وتساهم وزارة الثقافة ووزارة التكوين والتعليم المهنيين ووزارة الشباب والرياضة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي في إحياء هذه الذكرى عبر نشر أشرطة ومحاضرات ومعارض افتراضية، عبر مواقعها الإلكترونية وصفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي.

من جهتها، تُكيّف وسائل الإعلام العمومي، ومن بينها التلفزيون الجزائري، شبكتها البرامجية مع الذكرى، عبر تغطية واسعة للنشاطات المُقامة عبر الوطن في نشرات الأخبار، وبث برامج خاصّة وأشرطة وثائقية تاريخية واستضافة مؤرّخين للحديث عن الذكرى.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق