أخبار الوطن

يوم افريقيا.. محطات جزائرية خالدة

رابطة التاريخ والجغرافيا والثقافة والمصير المشترك

ككلّ 25 مايو من كلّ عام، تُحيي بلدانُ القارة السمراء، اليوم الإثنين، “يومَ أفريقيا” الذي يأتي في ذكرى الإعلان عن تأسيس “منظّمة الوحدة الأفريقية” التي وُلدت بأهداف تتمثّل في تحرير القارّة من الاستعمار، والقضاء على التخلُّف الاقتصادي، وتوطيد دعائم التضامن الأفريقي، والارتقاء بأفريقيا إلى المكانة التي تليق بها على الساحة الدولية.

ففي مثل هذا التاريخ من عام 1963، وقّع قادةُ ثلاثين بلداً أفريقياً في مؤتمر أديس أبابا بأثيوبيا الميثاق التأسيسي للمنظّمة التي ستتحوّل ابتداءً من جويلية 2002 إلى منظّمة “الاتحاد الأفريقي” التي تضمّ خمسةً وخمسين بلداً أفريقياً.

ومثلما ألهمت الجزائرُ بثورتها التحريرية الشعوب الأفريقية في نضالها ضدّ الاستعمار، فقدت أدّت بعد الاستقلال أدواراً بارزةً في القارة السمراء، في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية…

الجزائر الأفريقية

بدا البعد الأفريقي واضحاً في الأدبيات السياسية الجزائرية منذ القدم، ليس بحكم الموقع الجغرافي فحسب، وإنما وعياً بانتماءٍ ثقافي وحضاري وبأهمية جيوإستراتيجية.

وليس غريباً أن يكون هذا البُعد حاضراً منذ بدايات تأسيس الحركة الوطنية الجزائرية بين الحربين العالميّتَين؛ فقد جاء حزبُ “نجم شمال أفريقيا” في عشرينيات القرن الماضي تعبيراً عن هذا الانتماء إلى القارّة التي عانت الكثيرَ من ويلات الاستعمار، وتكالَب عليها المحتلّون يستغلّون ثرواتها ويستعبدون سكّانها.

ولئن كانت الجزائر قد لعبت دوراً فاعلاً في تأسيس “منظّمة الوحدة الأفريقية” في الخامس والعشرين من مايو 1963، في إطار دورها الذي لعبته من أجل التحرُّر وتصفية الاستعمار، فقد لعبت أفريقيا كذلك دوراً قبل ذلك في دعم القضية الجزائرية زمن الاحتلال الفرنسي؛ إذ حرص “مؤتمر الشعوب الأفريقية” في أكرا بغانا سنة 1958 – الذي مهّد لتأسيس تلك المنظمة – على الاعتراف بحقّ الشعب الجزائري في استرجاع سيادته الوطنية، وكانت تلك النقطةُ ضمن أبرز نتائج المؤتمر.

وكان طبيعياً أن تدعم الجزائر فكرة تغيير اسم “منظّمة الوحدة الأفريقية” إلى “الاتحاد الأفريقي” في مطلع الألفية الثالثة، انطلاقاً من قناعتها بضرورة تكتُّل دول القارّة السمراء مِن أجل مواجهة التحديات الدولية الجديدة في زمن العولمة، وهو المسعى الذي جعل الدولة الجزائرية تشقّ طريقاً طويلاً عابراً للصحراء يُسمّى “طريق الوحدة الإفريقية”.

قِبلة الأحرار والثُوّار

ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي عانتها الجزائر في بدايات الاستقلال عندما ورثت عن الاحتلال وضعاً كارثياً على كلّ المستويات، إلّا أنها لم تتردّد في دعم حركات التحرُّر في أفريقيا، وفي مقدّمتها جنوب أفريقيا التي كانت تعيش نظام الفصل العنصري، إلى غاية سقوطه في تسعينيات القرن العشرين.

وهذه الحقيقة التاريخية لخّصها الزعيم الأفريقي أميلكال كابرال (1924 – 1973) في مقولته الشهيرة عام 1968: “إذا كانت مكّةُ قِبلة المسلمين، والفاتيكان قِبلةُ المسيحيين، فإن الجزائر تبقى قِبلة الأحرار والثوار”.

هذا الدور سيستمرُّ لاحقاً مع وقوف الجزائر إلى جانب نضال الشعب الصحراوي لنيل استقلاله، حيث تدعم القضيةَ الصحراوية من منطلق كونها قضية تصفية استعمار.

سيستمرّ الدور الجزائري أيضاً حين ألقت الجزائر بثقلها الديبلوماسي للإسهام في حلّ العديد من النزاعات في القارة؛ كما في الكونغو الديمقراطية، وإقليم كيدال في مالي، إضافةً إلى النزاع بين أثيوبيا وإرتريا، كما رعت إستراتيجية “دول الميدان” التي تضم كلّاً من مالي والنيجر وموريتانيا، وظلّت تلعب دوراً رئيسياً في الجهود الأفريقية لمحاربة الإرهاب والجريمة المنظّمة.

وإلى جانب الدور السياسي والديبلوماسي، كثيرًا ما وقفت الجزائر مع اقتصاديات دول أفريقية فقيرة، ومسحت ديونها، حتى في زمن كانت تعاني فيها من صعوبات اقتصادية.

وفي فبراير الماضي أعلن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، عن إنشاء “وكالة التعاون الدولي لأجل التضامن والتنمية” ذات البُعد الأفريقي، معتبراً أن دورها الأساسي سيتمثّل في تعزيز الإعانة والمساعدة والتضامن مع دول الجوار، لا سيما دول الساحل.

انتماءٌ ثقافي

قبل أن تنقضي سنوات الستينيات، استقبلت الجزائرُ أكبر الفرق الفنية في القارّة ضمن “المهرجان الثقافي الأفريقي” (الباناف) سنة 1969، والذي ما زال الكثيرون يذكرُونه كواحد من أهم التظاهرات الثقافية في تاريخ القارّة، كما يذكرون صوت المطربة الجنوب أفريقية الكبيرة ميريام ماكيبا وهو يصدح: “أنا حرّة في الجزائر”، وقد ظلّت تعتز بانتمائها إلى الجزائر إلى غابة رحيلها عام 2008.

لاحقاً لم تُقم أية دورةٍ جديدة من التظاهرة في أي بلدٍ أفريقي. وكان يجب الانتظار أربعين سنةً ليُقام في الجزائر أيضاً، وكان ذلك في جويلية 2009 تحت شعار “أفريقيا التجديد والنهضة”. ومنذ ذلك التاريخ، لا يزال “معرض الجزائري الدولي للكتاب” يحتضن في كلّ دورةٍ من دوراته جناحاً خاصّاً للأدب والثقافة الأفريقية بعنوان “روح الباناف”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى