انتقل إلى رحمة الله الوزير السابق والكاتب والمؤلف في الأغنية القبائلية عمار عزوز، عن عمر ناهز 92 سنة بعد مسيرة حافلة في المجال الثقافي.
وبرحيل الفقيد تطوي الجزائر صفحة من صفحات رجالاتها الذين جمعوا بين المسؤولية السياسية والالتزام الثقافي، بين صرامة الدولة وشفافية الفن. فقد غادرنا الوزير الأسبق والفنان تاركًا أثرًا يتجاوز المناصب والوظائف، إلى فضاء أرحب من العطاء الإنساني والإبداعي.
لم يكن الراحل مجرد مسؤول حكومي أدى مهامه في ظرف سياسي واقتصادي دقيق، بل كان نموذجًا لرجل دولة ظلّ وفيًا لجوهره الثقافي. ففي الوقت الذي انشغل فيه كثيرون ببريق المناصب، حافظ هو على مسافة نبيلة من الأضواء، مفضّلًا مجالسة الشعراء والموسيقيين على صخب البروتوكول. كان يرى في الفن امتدادًا طبيعيًا للالتزام الوطني، وفي الثقافة حصنًا للهوية وروحًا للأمة.
وعلى الصعيد الفني، برز اسم عمار عزوز بوصفه موسيقيًا ومؤلفًا وملحنًا أسهم في صناعة لحظات مضيئة من تاريخ الأغنية الجزائرية. فقد كان وراء البدايات المتألقة للمطرب حميدو ، حيث صاغ له أعمالًا تحوّلت إلى محطات خالدة في ذاكرة الجمهور. ألحانه لم تكن مجرد نغمات عابرة، بل كانت تعبيرًا عن حساسية فنية عالية، تجمع بين الأصالة والتجديد، وتعكس ذلك “التلوّن” الثقافي الذي ميّز الشخصية الجزائرية.
تميّز الفقيد بتواضع نادر؛ إذ ما إن يتحدث حتى يتوارى “الوزير” خلف “الإنسان”. كان حضوره هادئًا، وكلمته موزونة، وحديثه منصبًا على الفن والجمال و حافظ على توازن دقيق بين المجالين، مؤمنًا بأن القيمة الحقيقية للمرء تكمن فيما يتركه من أثر طيب في القلوب.
إن رحيل عمار عزوز ليست خسارة لعائلته ومحبيه فحسب، بل هي خسارة لجزائر عرفت فيه صورة المثقف الذي يخدم دولته دون أن يتخلى عن شغفه، ويعانق الفن دون أن يتنكر لمسؤوليته. سيبقى اسمه مرتبطًا بتلك المرحلة التي كان فيها الانخراط في الشأن العام لا يلغي الرهافة الفنية، بل يعمّقها ويمنحها بعدًا وطنيًا.

