غارا جبيلات: ملحمة اقتصادية وتدشين رئاسي تاريخي يكتب مستقبل الصناعة الثقيلة في الجزائر

إقتصاد
غارا جبيلات: ملحمة اقتصادية وتدشين رئاسي تاريخي يكتب مستقبل الصناعة الثقيلة في الجزائر

​يعيش الشعب الجزائري اليوم على وقع حدث استثنائي يكتسي حلة العرس الوطني، حيث يمثل تدشين رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، لمنجم غارا جبيلات ولخط السكة الحديدية المنجمي الغربي، لحظة احتفالية بامتياز بإنجاز تاريخي ظل حلماً يراود الأجيال لعقود طويلة. إن هذا التدشين لا يجسد مجرد انطلاق لمشروع تقني أو منجمي، بل هو إعلان رسمي عن دخول الدولة في مرحلة "العبور الكبير" نحو التموقع كقوة صناعية ومنجمية مهيمنة في حوض المتوسط وأفريقيا، مكرساً بذلك إرادة سياسية صلبة تضع السيادة الاقتصادية في قلب معركة البناء الوطني.

​ويتجاوز هذا المشروع الضخم منطق الاستغلال المنجمي الكلاسيكي ليرسم معالم ثورة صناعية حقيقية، تستند إلى احتياطيات هائلة تُقدر بما يفوق 3.5 مليار طن من خام الحديد، وهو رقم يضع الجزائر في طليعة القوى المنجمية العالمية. إننا اليوم نشهد تحولاً جذرياً في العقيدة الاقتصادية للدولة، حيث ينتقل التركيز من تصدير المادة الخام إلى تثمينها محلياً عبر منظومة صناعية متكاملة، تهدف في آفاق عام 2030 إلى بلوغ طاقة استخراج ومعالجة تتراوح بين 40 و50 مليون طن سنوياً، مما يضمن للجزائر حجز مقعد دائم في سلاسل القيمة الدولية للحديد والصلب، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على المدخلات الاستراتيجية الموجهة للصناعات الصديقة للبيئة.

​وتكتمل فصول هذه الملحمة التاريخية من خلال الرواق الاقتصادي الذي يشكله الخط المنجمي الغربي، هذا الشريان السككي العملاق الذي يمتد على مسافة 950 كيلومتر ليربط منجم غارا جبيلات في أقصى تندوف بمدن بني عباس وبشار وصولاً إلى الموانئ الكبرى في الشمال. إن هذا المشروع الذي تنجزه الكفاءات والشركات الوطنية بمهارة واقتدار، يتحدى وعورة الجغرافيا وقساوة المناخ ليحول المناطق الجنوبية من فضاءات معزولة إلى أقطاب رحبة للاستثمار والصناعة واللوجستيك. وبفضل هذا الربط السككي المتطور، تنجح الجزائر في خفض تكاليف النقل بنسب تصل إلى 30%، ما يمنح المنتجات الجزائرية تنافسية شرسة في الأسواق الدولية، ويحول الجنوب الغربي إلى قاطرة حقيقية للنمو الاقتصادي الوطني.

​وعلى الصعيد المالي والماكرو-اقتصادي، يبرز غارا جبيلات كرافعة استراتيجية تساهم بفعالية في تحصين الميزان التجاري، حيث يضع حداً لاستنزاف العملة الصعبة عبر توفير نحو 2 مليار دولار سنوياً كانت تُخصص لاستيراد مشتقات الحديد. وفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة لرفع صادراتها خارج المحروقات إلى سقف 15 مليار دولار، يأتي هذا المشروع ليقدم مساهمة محورية في تنويع مصادر الدخل القومي، مع خلق ديناميكية اجتماعية غير مسبوقة توفر أكثر من 65 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، وتدفع نحو ظهور مدن صناعية عصرية وحواضن تكنولوجية في قلب الصحراء، مما يعزز الاستقرار السكاني ويكرس مفهوم التنمية المتوازنة والمستدامة.

​إن هذا التدشين الرئاسي الذي نحتفي به اليوم كإنجاز تاريخي، هو في جوهره انتصار للكفاءة الوطنية وتأكيد على أن الجزائر تمتلك كافة المقومات لتصحيح مسارها التنموي والاعتماد على الذات في تجسيد المشاريع الكبرى. غارا جبيلات اليوم ليس مجرد منجم للحديد، بل هو المنصة التي تنطلق منها الجزائر نحو آفاق اقتصادية رحبة، تؤكد من خلالها أن استثمار الجغرافيا وتعبئة الإنسان وتثمين الموارد هي المفاتيح الحقيقية لصناعة السيادة وبناء مستقبل واعد للأجيال القادمة، في ظل رؤية استراتيجية واضحة المعالم، صلبة الإرادة، وطموحة الأهداف.

 

​بقلم: عبدالرحمان هادف
مستشار دولي في التنمية الاقتصادية
 

ENTV Banner